
مرّت العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الأشهر الماضية بتحولات لافتة، تراوحت بين الانتقادات العلنية والخلاف حول إدارة الحرب والمفاوضات، وصولًا إلى إعلان ترامب دعمه الصريح لنتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية.
ويكشف تسلسل المواقف عن علاقة تجمع بين تقارب سياسي واضح وخلافات بشأن طريقة إدارة ملفات حساسة، خصوصًا الحرب والمفاوضات مع إيران ومستقبل قطاع غزة.
بداية التوتر.. خلاف حول لبنان وإيران
برز أحد أوضح الخلافات بين ترامب ونتنياهو خلال يونيو، عندما اعترض الرئيس الأميركي على استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان بالتزامن مع المسار الدبلوماسي الذي كانت واشنطن تديره مع إيران.
وبحسب تقارير إعلامية نقلت تفاصيل الاتصال بين الرجلين، أعرب ترامب عن غضبه من الضربات الإسرائيلية، ووصف نتنياهو بعبارات حادة، من بينها وصفه بأنه "مجنون".
ولم يكن اعتراض ترامب، وفق الرواية التي نقلتها التقارير، رفضًا مبدئيًا لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بقدر ما ارتبط بتوقيت العمليات وتأثيرها المحتمل على المفاوضات مع طهران.
وكان ترامب يرى أن استمرار التصعيد قد يعرقل الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية مع إيران، في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيق تقدم دبلوماسي.
وفي مرحلة لاحقة، تحدث ترامب عن نفوذه على نتنياهو، مؤكدًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ينفذ ما يطلبه منه. كما نقلت تقارير عن ترامب قوله إن الحرب لم تعد حرب نتنياهو، في إشارة إلى رغبته في التأثير على مسار المواجهة.
"بيبي هو أسوأ عدو لنفسه"
لم تتوقف الخلافات عند العمليات العسكرية، بل امتدت إلى تقييم ترامب لقرارات نتنياهو السياسية.
وفي أغسطس، أفادت تقارير بأن ترامب لا يزال يحتفظ بتقدير شخصي لنتنياهو، لكنه يشعر بإحباط متزايد من بعض قراراته وسياساته.
ونُقل عن ترامب وصفه لنتنياهو بأنه "أسوأ عدو لنفسه"، في تعبير يعكس الفارق بين علاقته الشخصية برئيس الوزراء الإسرائيلي وبين اعتراضاته على بعض خياراته السياسية.
كما ظهر اهتمام ترامب بالوضع الانتخابي لنتنياهو خلال لقاء جمعهما في البيت الأبيض أواخر يوليو، عندما سأل عن موقفه في استطلاعات الرأي، قبل أن يؤكد أحد مستشاري نتنياهو للرئيس الأميركي أن رئيس الوزراء يتقدم.
خلاف آخر حول مستقبل غزة
امتدت التباينات بين واشنطن وتل أبيب أيضًا إلى التصورات الخاصة بقطاع غزة.
فبينما سعى ترامب إلى الدفع قدمًا في تنفيذ المرحلة التالية من خطته الخاصة بالقطاع، تمسك نتنياهو بشروط تتعلق بنزع سلاح حركة حماس وتفكيك أنفاقها قبل تنفيذ انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق.
ووصف ترامب إطار نزع سلاح حماس بأنه تطور مهم، في حين أكد نتنياهو أن إسرائيل قادرة على التمسك بمواقفها حتى في مواجهة أقرب حلفائها.
ويعكس هذا الخلاف اختلافًا في الأولويات؛ فالإدارة الأميركية كانت تسعى إلى إظهار تقدم في إنهاء الحرب وتنفيذ خطتها، بينما ركز نتنياهو على الشروط الأمنية والسياسية التي اعتبرها ضرورية قبل أي خطوات جديدة.
ترامب يتجنب دعم نتنياهو انتخابيًا
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، انتقل الخلاف إلى مسألة مستقبل نتنياهو السياسي.
وفي مقابلة مع مجلة "تايم" نُشرت في أكتوبر، تجنب ترامب تقديم تأييد مباشر لنتنياهو عندما سُئل عما إذا كان ينبغي للإسرائيليين إعادة انتخابه، مؤكدًا أنه لم يعد منخرطًا في السياسة الإسرائيلية.
لكن هذا الموقف لم يستمر طويلًا.
فبعد أيام، أعلن ترامب دعمه الصريح لنتنياهو، واصفًا إياه بأنه رئيس وزراء قوي وشجاع ولامع، ومعلنًا تأييده لإعادة انتخابه.
وجاء الإعلان قبل أيام قليلة من الانتخابات، ليضع حدًا للتكهنات بشأن موقف الرئيس الأميركي من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
ضغوط داخل الدائرة المحيطة بترامب
بحسب تقرير إسرائيلي نقل عن مسؤول أميركي رفيع المستوى، تعرض ترامب لضغوط خلال الأسابيع التي سبقت إعلان دعمه لنتنياهو.
وقالت الرواية إن مستشارين ومساعدين مقربين من الرئيس الأميركي، إلى جانب جهات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، شجعوه على إعلان موقف واضح لصالح نتنياهو.
لكن هذه الخطوة لم تحظَ بإجماع كامل داخل الدائرة المحيطة بترامب، إذ حذر بعض مستشاريه من أن دعم نتنياهو قد يحمل تكلفة سياسية داخل الولايات المتحدة.
وارتبطت هذه المخاوف، وفق التقرير، بانتقادات داخل قطاعات من اليمين الأميركي للحرب مع إيران، وما نتج عنها من خسائر في صفوف القوات الأميركية وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والمواد الغذائية.
كما أشارت التقارير إلى وجود اتصالات مع شخصيات سياسية إسرائيلية أخرى، من بينها مقربون من رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، بما يشير إلى أن بعض الدوائر الأميركية كانت تدرس خيارات سياسية تتجاوز نتنياهو.
من "المجنون" إلى "المحارب العظيم"
تكشف مواقف ترامب خلال الأشهر الماضية عن تحول لافت في الطريقة التي تحدث بها عن نتنياهو.
ففي يونيو، انتقده بشدة ووصفه بأنه "مجنون" بسبب ما اعتبره تصعيدًا قد يضر بالجهود الدبلوماسية الأميركية مع إيران.
وبعد نحو أربعة أشهر، عاد ترامب ليشيد بنتنياهو بوصفه "رئيس وزراء محاربًا عظيمًا"، قبل أن يعلن دعمه له في الانتخابات.
ولا يعني هذا التحول بالضرورة أن الخلافات بين الرجلين انتهت؛ فالمواقف السابقة تظهر استمرار وجود تباينات حول إدارة الحروب والمفاوضات ومستقبل غزة.
لكنها توضح في الوقت نفسه أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو لا تقوم فقط على التوافق الشخصي والسياسي، وإنما تتأثر أيضًا بالحسابات الأميركية والإسرائيلية، وبالظروف العسكرية والانتخابية المتغيرة.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، سيكون تأثير دعم ترامب على شعبية نتنياهو وقدرته على الحفاظ على موقعه السياسي من أبرز الملفات التي ستخضع للمتابعة، خصوصًا في ظل استمرار الانقسامات داخل إسرائيل بشأن الحرب والسياسات الأمنية.